اختر الحالة المزاجية لتستجيب لك الغرفة ذاتها — فتخبو الإضاءة أو تزداد دفئاً، ويتغير إيقاع الهواء، ولا تبرز من عتمة الظلال إلا الأعمال التي تجسد ذلك الشعور؛ بينما يتراجع كل ما سواها إلى الظل.
حصان السهوب البري: حياة صيغت في أتون المستقبلية لم يكن ديفيد دافيدوفيتش بورليوك مجرد فنان فحسب، بل كان اسماً مرادفاً للميلاد المتفجر للمستقبلية الروسية؛ كان مثيراً للجدل، وشاعراً، ومدافعاً لا يكل عن كل ما هو جديد. ولد في 21 يوليو 1882، في قرية سيميروتيفكا الأوكرانية الصغيرة، وكان نسبه ينبئ بشخصيته المتقدة، فهو من سلالة القوزاق الأوكرانيين الذين شغلوا يوماً مناصب رفيعة في "الهيتمانات". هذا الإرث غرس فيه حساً بالاستقلال وارتباطاً وثيقاً
بالأرض، وهو ما تغلغل لاحقاً في رؤيته الفنية. كما أثرت والدته ذات الأصول البيلاروسية في إثراء هذا النسيج الثقافي. ومنذ نعومة أظفاره، أظهر بورليوك طاقة حيوية مذهلة، وهي سمة لاحظها أستاذه أنطون أژبي في الأكاديمية الملكية في ميونيخ، الذي اشتهر بتلقيبه له بـ "حصان السهوب البري الرائع". ولم يكن هذا اللقب مجرد وصف لشخصيته، بل كان تجسيداً لتلك القوة الجامحة التي ستحدد مساره الفني بأكمله. بدأ تدريب بورليوك الرسمي في مدارس الفنون في كازان وأودي…