جان مارك نحاس: صوتٌ نُحت من رحم الصراع والذاكرة
وُلد جان مارك نحاس في قلب بيروت المضطرب عام 1963، لتصبح رحلته الفنية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتاريخ بلاده الطويل من النزاعات. إن نشأته وسط أتون الحرب الأهلية اللبنانية صاغت رؤيته بعمق، حيث غمرت أعماله بكثافة عاطفالية خام وانخراط عميق في ثيمات الحرب، والنزوح، وفي نهاية المطاف، الصمود. ولم تكن هذه التجربة التكوينية مجرد انعكاس لموضوعاته فحسب، بل نُسجت في صميم لغته الفنية؛ تلك اللغة التي تعتمد تبسيطاً متعمداً للشكل، يقترن بانفجارات لونية مذهلة وحركة ديناميكية حيوية.
اتسمت حياة نحاس الأولى بعدم الاستقرار والشتات، وهي تجارب دفعت به إلى باريس في سن السابعة عشرة. بحثاً عن الملاذ والتدريب الفني، التحق بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة (ENSBA) ومعهد "بينينجين"، وهي مؤسسات اشتهرت بمناهجها الصارمة وتركيزها على التقنيات التقليدية. ومع ذلك، سرعان ما تجاوز نهج نحاس مجرد الالتزام بالأساليب الراسخة؛ إذ سعى إلى التتلمذ على يد شخصيات مؤثرة مثل بيير أليشينسكي، وفلاديمير فيليتشكوفيتش، وفيريت إيسكان، وألبرت زافارو – وهم فنانون شجعوه على استكشاف صوته الفريد ضمن السياق الأوسع للحداثة الأوروبية.
لغة العاطفة: الأسلوب والتقنية
يتميز الأسلوب الفني لنحاس بإمكانية التعرف عليه فوراً بفضل مزيجه القوي بين التجريد والتعبيرية. فنادراً ما تكون لوحاته تمثيلية بالمعنى الحرفي؛ بل تعمل كقصص بصرية—بورتريهات حميمية للحالة الإنسانية تُجسد من خلال أشكال مبسطة وضربات فرشاة مشبعة بالألوان. وكثيراً ما يستخدم تقنية يصفها بأنها "كتابة"، مشبهاً عمليته بتأليف قصيدة أو صياغة رسالة شخصية. ويتجلى هذا النهج في أعمال مثل "بدون عنوان" (2م005)، حيث تتحد الخطوط الجريئة، والتدرجات اللونية النابضة، والملامس الإيمائية لاستحضار شعور بالإلحاح والعمق العاطفي.
يكمن العنصر الأساسي في أسلوب نحاس في تبسيطه المتعمد للشكل؛ فهو يتجنب التفاصيل المعقدة، ويختار بدلاً من ذلك جمالية انسيابية تسمح للعاطفة الخام للموضوع بأن تتصدر المشهد. ويتوازن هذا النهذا الاختزالي بتطبيق مفعم بالطاقة للألوان – ضربات فرشاة سريعة وإيقاعية تنقل الحركة والديناميكية. كما تظهر الزخارف الحيوانية بشكل متكرر في تكويناته، وغالباً ما تُصور في لحظات من الفعل المكثف أو الضعف، مما يضيف طبقات من المعنى الرمزي.
ثيمات الحرب والنزوح
يخيم شبح الحرب بشكل كبير على نتاج نحاس الفني، وهو نتيجة مباشرة لنشأته في لبنان. ومع ذلك، فإن عمله يتجاوز مجرد توثيق الصراع؛ فهو يغوص في التأثير النفسي للعنف على الأفراد والمجتمعات. إنه لا يتردد في تصوير ندوب الصدمة—الوجوه المحفورة بالحزن، والأجساد التي تلوت بالألم—لكنه يسعى أيضاً لالتقاط لحظات الأمل والقدرة على التجدد. وكما صرح هو نفسه: "على عكس بعض زملائه الفنانين الذين يبدو أن الصراع الطويل لم يكن له تأثير ملموس على تعبيرهم الفني، فإن ندوب الحرب في أعماق نفس جان مارك، ولا تلتئم إلا من خلال الممارسة التطهيرية للرسم."
علاوة على ذلك، يستكشف عمل نحاس بشكل متكرر موضوعات النزوح والمنفى. لقد شكل انتقاله إلى باريس تحولاً كبيراً في حياته، ومع ذلك، فإن ذكريات بيروت—بجمالها، وفوضاها، وروحها الصامدة—لا تزال تتردد أصداؤها في فنه. هذه الثنائية – التوتر بين الماضي والحاضر، وبين الوطن والمنفى – هي موتيفة متكررة في لوحاته.
الاعتراف والإرث
نال عمل نحاس تقديراً دولياً، حيث أقيمت له معارض في صالات عرض ومتاحف مرموقة حول العالم، بما في ذلك منصة الفن المعاصر في مدينة الكويت، والمتحف البريطاني، ومؤسسة بنك أوديي. كما تعد أعماله جزءاً من مجموعات خاصة، مما يرسخ مكانته كفنان معاصر بارز. وقد كان معرضه الاستعادي في مركز بيروت للمعارض عام 2013 بمثابة شهادة قوية على تطوره الفني وتأثيره المستمر.
بعيداً عن الإنجازات الفردية، يساهم عمل نحاس في حوار أوسع حول دور الفن في مواجهة الحقائق التاريخية الصعبة. إن استعداده للتعامل مع ثيمات الحرب والنزوح—بصدق وهشاشة إنسانية—يجعل منه صوتاً مقنعاً ومؤثراً في عالم الفن المعاصر. وهو لا يزال يعيش ويعمل في بيروت، مستلهماً من وطنه بينما يبحر في الوقت ذاته عبر تعقيدات المشهد الفني العالمي.


